إ

تحرّك في برمنجهام… من التوعية المجتمعية إلى الحراك الإعلامي

د. راشد عبدالله جمعة أحمد
مؤسس مبادرة «تحرّك» – بريطانيا

ضمن مسيرة مبادرة «تحرّك» للتوعية بالسكتة الدماغية، أُقيمت ندوة توعوية في ملتقى صالون الخال بمدينة برمنجهام، بحضور مقدّر من أبناء الجالية السودانية، وخاصة الشباب، في لقاء اتسم بالتفاعل والمشاركة والنقاش المفتوح.

وكانت هذه الندوة من أكثر الورش والندوات تفاعلاً ضمن سلسلة اللقاءات التي قدمتها «تحرّك»، حيث لم يكن الحضور مجرد مستمعين، بل شاركوا بصورة مباشرة في الحوار وطرح الأسئلة والتجارب والآراء.

وكان من اللافت أن عدداً من المشاركين تحدثوا عن تجاربهم الشخصية مع السكتة الدماغية، سواء من خلال إصابتهم بها أو إصابة أحد أفراد أسرهم أو أقاربهم أو أصدقائهم. وقد أعطت هذه المشاركات اللقاء بعداً إنسانياً وواقعياً، وأكدت أن السكتة الدماغية ليست مجرد موضوع طبي يُناقش داخل المستشفيات أو قاعات التعليم، وإنما قضية يمكن أن تمس أي أسرة وفي أي وقت.

ونظراً لضيق الوقت وكثرة المشاركات والمداخلات، ركزت الندوة بصورة أساسية على محورين من أهم محاور «تحرّك»: التعرّف على السكتة الدماغية والاستجابة السريعة لها.

ناقشنا كيف يمكن للشخص العادي أن يتعرف على العلامات المفاجئة للسكتة، ولماذا لا ينبغي الانتظار حتى تختفي الأعراض، ولماذا يمثل الوقت عاملاً مهماً جداً عند حدوث السكتة الدماغية.

وقد تم تبسيط الرسالة من خلال مفهوم «تحرّك»:

ت — التوازن: دوخة مفاجئة أو فقدان التوازن أو صعوبة في المشي.

ح — الحركة: ضعف أو خدر مفاجئ في الوجه أو اليد أو الرجل، خاصة في جهة واحدة.

ر — الرؤية: تشوش أو فقدان مفاجئ في النظر.

ك — الكلام: ثقل أو صعوبة مفاجئة في الكلام أو فهمه.

والرسالة الأساسية بسيطة:

إذا ظهرت علامة بشكل مفاجئ، تَحَرَّك ولا تنتظر.

كما تم التأكيد على أهمية طلب المساعدة الطبية الطارئة وتسجيل وقت بداية الأعراض، وعدم الاطمئنان لمجرد أن الأعراض تحسنت أو اختفت. وهذه الرسالة تتوافق مع حملة اليوم العالمي للسكتة الدماغية لعام 2026، التي تركز على معرفة علامات السكتة والتصرف السريع عند الاشتباه بها.

ولم تقتصر الندوة على الحضور داخل ملتقى صالون الخال، بل تم بثها مباشرة عبر TikTok وFacebook، مما أتاح للمهتمين خارج القاعة متابعة اللقاء والتفاعل معه.

كما قام عدد من الحاضرين بمشاركة اللقاء ومحتواه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتنتقل رسالة «تحرّك» من القاعة إلى جمهور أوسع عبر الإنترنت.

وهكذا جمعت الفعالية بين الحضور المجتمعي، والحوار المباشر، والبث الرقمي، ومشاركة الجمهور، وهو نموذج نطمح إلى تطويره في فعاليات «تحرّك» القادمة، بحيث لا تتوقف التوعية عند مكان انعقاد الندوة، بل تستمر وتنتشر من خلال المشاركين ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن أهم ما خرجت به الندوة أن الجمهور لم يكن مجرد متلقٍ للمعلومة، بل كان شريكاً في الحوار ونقل التجربة والمعرفة. فقد أظهرت المشاركات والتجارب الشخصية والأسئلة التي طُرحت أن لدى المجتمع رغبة حقيقية في فهم السكتة الدماغية ومعرفة كيفية التصرف عند حدوثها.

ومن هنا تأتي فلسفة «تحرّك»:

المعلومة تتحول إلى معرفة،
والمعرفة إلى وعي،
والوعي إلى استجابة،
والاستجابة قد تنقذ حياة.

فكل شخص يعرف علامات السكتة ويعرف ماذا يفعل عند حدوثها يمكن أن يصبح جزءاً من شبكة حماية مجتمعية.

وعلى هامش اللقاء، التقيت بالأستاذ ناصر فراج، الصحفي السوداني، وأجريت معه لقاءً تناول مبادرة «تحرّك» ورسالتها في نشر الوعي الصحي.

وقد كان اللقاء فرصة مهمة لبحث إمكانية توسيع الرسالة من خلال الإعلام، وتم التوافق مبدئياً على التعاون من خلال عمود أسبوعي عن «تحرّك» والتوعية الصحية، لا يقتصر على السكتة الدماغية، وإنما يتناول أيضاً موضوعات صحية أخرى تهم المجتمع.

كما كان اللقاء فرصة للتعرف على مجلة أفرابيا ومحررها السوداني البلجيكي، والتي يقع مقرها في بلجيكا، حيث لاقت فكرة التعاون ترحيباً، من خلال إجراء لقاءات ونشر مقالات ومواد توعوية مرتبطة بمبادرة «تحرّك».

وهذا يفتح أمام المبادرة باباً جديداً للوصول إلى جمهور أوسع في السودان وأفريقيا وأوروبا والعالم العربي.

إن ما حدث في برمنجهام يمثل خطوة أخرى في مسيرة «تحرّك». فالمبادرة بدأت برسالة بسيطة للتوعية بالسكتة الدماغية، لكنها تتجه الآن إلى بناء شبكة من التواصل المجتمعي والإعلامي، تشمل الطلاب والشباب والمهنيين الصحيين والإعلاميين والمجتمعات السودانية والعربية.

والهدف ليس إقامة ندوات منفصلة فقط، وإنما بناء حراك مستمر للتوعية الصحية يمكن أن ينتقل من مدينة إلى أخرى، ومن جامعة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر.

ويتزامن هذا الحراك مع الاستعداد لـ اليوم العالمي للسكتة الدماغية في 29 أكتوبر، وهو يوم عالمي مخصص لرفع الوعي بالسكتة، ومعرفة علاماتها، وتعزيز الاستجابة السريعة. وتدعو منظمة السكتة الدماغية العالمية في حملة 2026 إلى إشراك المجتمعات ونشر المعرفة حول علامات السكتة وأهمية طلب الرعاية الطارئة دون تأخير.

وفي «تحرّك» نطمح إلى ألا يكون 29 أكتوبر يوماً واحداً للتوعية، بل أن يكون شهر أكتوبر كله مساحة للتوعية والعمل والمشاركة.

لذلك نخطط، بإذن الله، لبدء فعاليات «تحرّك» للتوعية بالسكتة الدماغية من الأول من أكتوبر وحتى نهاية الشهر، وصولاً إلى 29 أكتوبر، اليوم العالمي للسكتة الدماغية، ثم مواصلة الأنشطة حتى نهاية الشهر، ليكون أكتوبر 2026 شهراً مميزاً للتوعية بالسكتة الدماغية.

نطمح إلى مشاركة الأفراد والأسر والطلاب والمهنيين الصحيين والإعلاميين والمجتمعات في مختلف الأماكن التي تصل إليها رسالة «تحرّك».

سنركز خلال هذا الشهر على رسائل بسيطة يمكن للجميع تذكرها:

اعرف السكتة.
تعرّف على علاماتها.
استجب بسرعة.
شارك المعرفة.
وانشر رسالة «تحرّك».

فالهدف أن تصل الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وأن تصبح معرفة علامات السكتة والاستجابة لها جزءاً من الثقافة الصحية اليومية في المجتمع.

كانت ندوة صالون الخال في برمنجهام أكثر من مجرد لقاء توعوي.

كانت فرصة للاستماع إلى المجتمع، والتعرف على تجاربه، وفتح حوار حقيقي حول السكتة الدماغية، والانتقال من التوعية داخل القاعة إلى المشاركة عبر الإنترنت، ومن المشاركة المجتمعية إلى التعاون الإعلامي.

ومن هنا تستمر رحلة «تحرّك»:

من التوعية إلى المشاركة،
ومن المشاركة إلى التأثير،
ومن التأثير إلى التغيير.

تحرّك… لأن معرفتك قد تنقذ حياة.

تحرّك نحو الصحة.